تشخيص المشكلات النفسية/الاجتماعية وعلاجها

تشخيص المشكلات النفسية/الاجتماعية وعلاجها

تشخيص المشكلات النفسية/الاجتماعية وعلاجها

محــاولة جـزئية لتطبـيق منهجية التكامل بين العلوم الاجتماعية و العلوم الشرعية



د. إبراهيم عبد الرحمن رجب

أستاذ بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية

بالجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا



____________________________

بحث قدم إلى الحلقة الدراسية الثانية التي نظمتها كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية وموضوعها "نحو برنامج تكاملي لمناهج البحث العلمي بين معارف الوحي والعلوم الإنسانية" ، سبتمبر 1997 . 







إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد: 11)



تشخيص المشكلات النفسية/الاجتماعية وعلاجها:

محاولة جزئية لتطبيق منهجية التكامل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية 



مقدمـــة 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بـهديه إلى يوم الدين .. أما بعد:

لا يخفى على المتتبع الواعي للمسيرة الفكرية لمشروع إسـلامية المعـرفة أن الحديث عن "التطبيقات المنهجية" لأحد الموضوعات أو لبعضها في هذه المرحلة من عمر المشروع يعتبر أمرا سابقا لأوانه إلى حد كبير، ذلك أن أخص ما يتميز به "المنهج" الاتساق والتتابع المنتظم ، الذي يستحيل معه القفز فوق أي مرحلة من المراحل إلى ما يليها دون مبررات علمية أو منطقية كافية ، ولكن الحقيقة أن مراجعة الصورة الكلية لتقدم المشروع من الناحية "العملية" قد تبرر اللجوء إلى شئ من التغاضي عن بعض متطلبات حركة الفكر المنهجية استجابة لمتطلبات حركة المشاركين بالفكر من الناحية البشرية. فنحن نواجه اليوم موقفا قد أصبح فيه الكثيرون من المشاركين في المشروع يتساءلون … وماذا بعد ؟ لقد انتهينا إلى الاقتناع التام بالمبررات العلمية التي تقوم عليها فكرة إسـلامية المعـرفة ، كما تبين لنا بوضوح أن جوهر هذا المفهوم إنما يكمن في التكامل بين معطيات الوحي ومنجزات الخبرة الإنسانية ، ثم إننا ندرك أن هناك تصورات مطروحة بالفعل لخطوط عريضة لمنهجية يمكن أن يتحقق بها هذا التكامل بين هذين النوعين من العلوم ، ولكن هذه الإنجازات جميعا تبدو لنا معلقة في فضاء التنظير مالم يتم تطبيق هذه المنهجية بشكل محدد ملموس ، تتبين معه معالم هذه العملية المستمرة (إسـلامية المعـرفة ) التي نأمل أن تنتهي بنا إلى تجاوز الفصل التعسفي الذي لازال قائما بين ما يسمى بالعلوم الشرعية و العلوم الاجتماعية والذي لم يعد له ما يبرره.

والواقع أن من يطالبون بنتائج تطبيقية ملموسة للأطر التصورية العامة لفكرة إسـلامية المعـرفة قد يكون لهم بعض العذر ، ذلك أنهم يرون أنه بالرغم من وضوح الإسهامات الباكرة للرواد الأوائل فيما يتعلق بمفهوم إسـلامية المعـرفة وبمكوناته الأساسية ، فإنه لم يحدث تقدم كبير فيما يتعلق بترجمة تلك الأطر التصورية إلى إجراءات منهجية تتم من خلالها عملية أسلمة المعـرفة ، وتنتقل بها إلى مرحلة البحوث التطبيقية المنظمة ، التي يمكن أن تكون يدورها بمثابة النواة التي يكون لها من إمكانات التراكم حولها ما يسمح لكل باحث أن يبدأ من حيث انتهى إخوانه على الوجه المألوف في مسيرة العلم . 

والمشاركون في جهود إسـلامية المعـرفة يدركون أنها في جوهرها عملية بحثية طويلة الأمد قد تتطلب عقودا من الزمان (أو على أكثر التقديرات تشاؤما أجيالا من الباحثين) لظهور ثمارها ، ولكنهم يشعرون أيضا أن هذا أمر يمكن فهمه ولكن فقط بشرط واحد : أن يستشعر المشاركون في المشروع أن هناك تقدما يذكر (مهما كان بطيئا) في طريق راشد يمكن أن يجتمع حوله الباحثون عن الحق متجردين ، أما عندما يفتقدون هذا الشرط أو أحد جانبيه فإنهم سرعان ما يتشككون في إمكان المشروع ذاته أو حتى في المنطق الذي قام عليه !! وهو أمر قد ظهرت بالفعل له بعض البوادر ، فلازال البعض إلى يومنا هذا يتحدثون مثلا عن غموض المفهوم ، أو عن ضبابية الرؤية ، بل إن الأشد من ذلك خطورة أن نسمع من أحد من يُعتد بآرائهم من الإخوة المتخصصين في العلوم الشرعية (ممن يُـتوقع منه غير ذلك المقال) أن "العلوم الشرعية و العلوم الاجتماعية كالزيت والماء لا يمكن المزج بينهما" ، فهنا ندرك أن التشكك في إمكان التكامل منهجيا ، وعدم رؤية أمثلة لتطبيق هذا المنهج التكاملي عمليا ، قد يتحول إلى تشكك في مفهوم إسـلامية المعـرفة ذاته ،كما قد يؤدي (بحسن ظن) إلى السعي الحثيث إلى التحول بأولويات المشروع إلى مالم يخطر ببال رواده أو ببال أحد من أفراد الجمهور الواسع المخاطب بالمشروع ، ظنا بأن في ذلك الإنقاذ للمشروع !

ومن هنا فإن هدفنا من هذه الورقة - في ضوء ما تقدم - ليس إلا مجرد الاستجابة لتلك الحاجة المحددة ، وذلك بتقديم بيان عملي ملموس نحاول فيه تطبيق منهجـية إسلامية العـلوم الاجتــماعية (في أحد أوجهها فقط كما سنبين فيما بعد) في دراسة أحد الموضوعات يمكن أن يمثل هما مشتركا للجميع في زمان كثر فيه الحديث عما يعانيه الناس من أمراض اجتماعية Social Ills ألا وهو :

ا- النظر في أسباب وقوع الأفراد في المشكلات الشخصية أو ما يطلق عليه عند أهل الاختصاص المشكلات النفسية/الاجتماعية Psychosocial Problems 

ب- طرق مساعدة الأفراد على تجاوز تلك المشكلات من منظور إسلامي .

وحتى بالنسبة لهذا الهدف المحدود فإنه من الضروري أن نشير إلى أنه لم يكن بالإمكان استيفاء متطلبات كل جانب من جوانب البحث المنهجية على الوجه المرغوب ، فاقتصرت المحاولة هنا على ما يشبه اللمحات التي تشير إلى ما يمكن أن يقوم به أي باحث في كل خطوة من الخطوات ، أكثر من أن يكون استقصاء للموضوع ذاته بأي حال من الأحوال.

وتنقسم الورقة في ضوء ذلك إلى ثلاثة أقسام ، نعرض في القسم الأول منها باختصار للمسلمات الأساسية التي ينطلق منها البحث ليكون القارئ على بينة من أمره في تقويمه لتلك المسلمات ولما بني عليها من نتائج . ونحاول في القسم الثاني تقديم تشخيص محدد للمشكلات الشخصية النفسية/ الاجتماعية التي تواجه الأفراد في ضوء معطيات الوحي من جهة ومنجزات الخبرة الإنسانية في نطاق العلوم الاجتماعية من جهة أخرى، ثم ننتقل في القسم الثالث للحديث عن الطرائق المهنية التي يمكن أن يستخدمها الأخصائيون الاجتماعيون وغيرهم من المشتغلين بالتوجيه والإرشاد للمساعدة في علاج تلك المشكلات في ضوء تلك النظرة التكاملية. 



المسلمات والمنطلقات الأساسية 

أولا : بالنسبة لمفهوم إسـلامية المعـرفة :

لا يخرج مفهوم إسـلامية المعـرفة عند تطبيقه في المساحة التي تشغلها العلوم الاجتماعية في الوقت الحاضر عما قدمه الدكتور إسماعيل الفاروقي يرحمه الله في عام 1982، حيث عرّف أسلمة العلوم على وجه الإجمال بأنها " إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام "، وحيث فصّـل ذلك عندما بيّن أن تحقيق أهداف أسلمة العلوم يتطلب: 

1- فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها ، والتمكن منها ، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام.

2- فهم واستيعاب إسهامات التراث، المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور ، وتقدير جوانب القوة والضعف في ذلك التراث في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر ، وفي ضوء ما كشفت عنه المعارف الحديثة .

3- القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد " تركيبة" تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين نتائج العلوم العصرية بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا.



ثانيا : بالنسبة للمنهجية العامة لإسـلامية المعـرفة :

يمكن تقسيم منهجية إسـلامية المعـرفة عندما تطبق في دراسة أحد الموضوعات التي تقع في عصرنا هذا في نطاق العلوم الاجتماعية (كالموضوع الذي بين أيدينا ) إلى مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى مرحلة التنظير ، والمرحلة الثانية مرحلة البحوث ، ولكل مرحلة منهما خطواتها على الوجه التالي:

المرحلة الأولى : مرحلة بناء الإطار النظري المتكامل ، وتتضمن:

(1) مسح إسهامات العلوم الاجتماعية المتصلة بالموضوع وذلك عن طريق:

1- حصر النظريات والقضايا والتعميمات والمفاهيم المتصلة بالموضوع في الكتابات العلمية التي تمثل الوجهة السائدة في فهم الموضوع The Paradigm وفي الآراء المنشقة عليها (بوجه خاص).

2- إلقاء نظرة نقدية فاحصة على تلك الإسهامات (بنوعيها) في ضوء التصور الإسلامي للكون والإنسان والوجود.

3- استبقاء المفاهيم والتعميمات والأطر النظرية التي صمدت للنقد والتي تتمشى مع التصور الإسلامي، واستبعاد ما بني من تلك المفاهيم على مسلمات خاطئة.

(2) حصر البصائر التي تتضمنها معارف الوحي والتراث الإسلامي فيما يتصل بالموضوع وذلك من خلال:

1- استقصاء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتصلة بالموضوع ، والكشف عن المقصود بها في كتب التفسير والشروح المعتبرة .

2- حصر إسهامات علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين مما يرتبط بالموضوع ، مع تعريضها لنظرة نقدية فاحصة تضعها في إطار الظروف التي ظهرت تلك الإسهامات في نطاقها.

3- الجمع بين البصائر المختارة من بين تلك المصادر جميعها مما يطمئن إليه عقل الباحث وقلبه توصلا إلى ما يشبه أن يمثل في نظره التصور الإسلامي لموضوع الدراسة.

(3) بلورة الإطار التصوري الجامع بين بصائر الوحي وما صح من ثمار الخبرة الإنسانية:

1- إعادة ترتيب المشاهدات المحققة التي توصل إليها المشتغلون بالعلوم الاجتماعية من خلال البحوث العلمية المنضبطة ، وإعادة تفسيرها في ضوء الأطر النظرية المستمدة من معارف الوحي من جهة ، وباستثمار الأطر النظرية المستبقاة من تراث العلوم الاجتماعية بعد ثبوت اتساقها مع التصور الإسلامي من جهة أخرى .

2- صياغة ذلك الإطار التصوري المتكامل (الجامع لبصائر الوحي وما صح من ثمار الخبرة الإنسانية) في شكل أنساق استنباطية تسمح باستخلاص فروض يمكن التحقق من صدقها ومعرفة مدى اتساقها مع السنن الإلهية في الأنفس وفي الآفاق.

المرحلة الثانية : مرحلة البحوث والممارسة المنضبطة لاختبار الإطار التصوري المتكامل وتطويره ، وتتضمن:

(1) استنباط فروض مستمدة من الإطار التصوري (أو النظري) المتكامل الذي تم التوصل إليه في نهاية المرحلة الأولى، والتحقق من صحة تلك الفروض من خلال البحوث العلمية المنضبطة ، وكذلك استنباط مبادئ مبنية على تلك الأطر التصورية يتم اختبارها في إطار الممارسة المهنية في مهن المساعدة الإنسانية (كالخدمة الاجتماعية والتوجيه والإرشاد النفسي).

(2) إذا ثبتت صحة الفروض ومبادئ الممارسة المهنية فإن ثقتنا في الأطر التصورية المتكاملة التي بدأنا بها تزداد من جهة ، كما أن محتواها يزداد تفصيلا وتمايزا من جهة أخرى.

(3) إذا لم تثبت صحة الفروض ، أو عجزت مبادئ الممارسة المهنية عن تحقيق الإصلاح المتوقع في الأفراد والمجتمعات ، فإنه يتم القيام بمراجعة الإجراءات المنهجية والممارسات التي اتبعت لإعادة التأكد من سلامتها ، أو إعادة النظر في الأطر التصورية المتكاملة التي انطلقنا منها وتعديلها في ضوء المشاهدات المحققة.

(4) يستمر إجراء البحوث والممارسات المهنية على هذا المنوال، ويتم نشر نتائجها في الدوريات العلمية ، و بذلك تتعرض للنقد العلمي بين الأفراد العلميين المتخصصين ، ويؤدي هذا التنامي العلمي إلى التراكم الكمي والكيفي للنتائج الصحيحة ، حيث تصب ثمار هذا كله في كتب جامعية رصينة مؤصلة إسلاميا. 

وفي ضوء ما سبق يتبين لنا على الفور أن أي حديث في الوقت الحالي عن تطبيق منهجية إسلامـية العـلوم الاجتـماعية لا يمكن أن ينصب إلا على المرحلة الأولى فقط من مراحل عملية إسلامية العلوم الاجتـماعية وهو ما يتصل بمحاولة بناء نظرية تكاملية تكون بمثابة نقطة الانطلاق لبرامج للبحوث أو للممارسة المهنية المنضبطة (في المرحلة الثانية) ، بهدف التحقق من صحة تلك الأطر النظرية، فهذا - وهذا وحده - هو الضمان لاتساق تلك الأطر النظرية مع الحقائق المشاهدة والسنن الإلهية المودعة في هذا الوجود والحاكمة عليه.



ثالثا : المنظور الإسلامي للإنسان (باعتباره موضوع الدراسة):

إن أي محاولة تطبيقية لمنهجية إسـلامية المعـرفة في نطاق العلوم الاجتماعية كتلك التي بين أيدينا لا يمكن أن تتم في فراغ ، ونجاحها في الحقيقة إنما يتوقف على قدر استنادها إلى تصور واضح للطبيعة البشرية والحياة الاجتماعية في ضوء التصور الإسلامي ، ويلاحظ أن هذا الموضوع لم تتم خدمته حتى الآن بطريقة منظمة تصلح للاستفادة منها بشكل مباشر، ومن أجل ذلك فإنه يتعين علينا قبل النظر في قضية التطبيق أن نطرح هنا المسلمات التي ننطلق منها حول هذا الموضوع ، و تتمثل فيما يلي:

(1) لايرى المشتغلون بالعلوم الاجتماعية الحديثة في الإنسان إلا كائنا ماديا لا يخرج عن كونه امتدادا للظواهر الطبيعية الأخرى ، فلا ترى فيه إحدى النظريات إلا أنه آلة منتظمة (وإن كانت شديدة التعقيد) ، ولا ترى فيه أخرى إلا أنه حيوان تدفعه غرائزه (وإن عبرت هذه الغرائز عن نفسها بطرق مختلفة) ، أما من "اكتشفوا" أخيرا أنه "إنسان" فقد اعترفوا بتأثير الجوانب العقلية/المعرفية في سلوكه ،ولكن حتى هؤلاء قد توقفوا بدورهم دون الاعتراف بأي مكان للروح المتجاوزة لحدود المادة كأحد المكونات الأساسية للطبيعة الإنسانية.

(2) التصور الإسلامي يميز بين مفهومين للإنسان( راجع :الراغب الأصفهاني)، الإنسان بالمعنى العام وهو " كل منتصب القامة مختص بقوة الفكر واستفادة العلم " والإنسان بالمعنى الخاص وهو " كل من عرف الحق فاعتقده والخير فعمله بحسب وسعه" ، والناس يتفاضلون في التصور الإسلامي بهذا المعنى ، وبحسب تحصيله تُستحق الإنسانية التي تعنى "فعل المختص بالإنسان" ، فتحصل له الإنسانية بقدر ما تحصل له العبادة التي لأجلها خلق.

(3) الإنسان إذن " كائن فريد" خلقه الله سبحانه وتعالي - مبدع هذا الكون وصاحب التصرف المطلق فيه _ وفضَّله على كثير من خلقه تفضيلا ، وقد اقتضت مشيئته تعالي خلق الإنسان لغاية أو لوظيفة رئيسة تتمثل في " عبادة الله " المتضمنة لمعرفته وتعظيمه وطاعة أمره والقيام بما شرع لعمارة الأرض التي استخلفه فيها.

(4) الإنسان مخلوق من عنصرين " جسد" من طين و " روح" نورانية من أمر الله تحل في الجسد فتحييه ، وينتج عن اندماج الروح والبدن "نفس" تدبر هذا المخلوق وتعطيه وحدته وتكامله .

(5) يترتب على الطبيعة المادية الطينية للجسد وجود ميل طبيعي في النفس للإفراط وتجاوز الحدود ، وذلك لغرض محدد هو المحافظة على بقاء الإنسان واستمرار وجوده حيا ، مما ينتج في النفس صفات " كنفاذ الصبر والاستعجال" لما ليس عندها ، " والشح والبخل" بما عندها ، "والبطر والفرح والعُجب" بما تراها تميزت به عن الآخرين ، " والجزع واليأس والهلع " عندما تفقده ، "والمراء و اللدد في الخصومة" إن تنازعته مع الغير وهكذا 

(6) إذا ترك لتلك الصفات التجاوزية الفرصة لأن تعبر عن نفسها تعبيرا حرا غير مقيد فإنها تصبح غير وظيفية dysfunctional بمعنى أن تبنِّي تلك الصفات على نطاق واسع وبشكل مضطرد يتعارض مع متطلبات بقاء الإنسان في حياة اجتماعية تعاونية منظمة ، مع أن تلك الحياة الاجتماعية لازمة لإشباع حاجاته المتعددة ، لأنه لم يخلق قادرا على إشباعها منفردا أبدا.

(7) هنا يأتي دور الطبيعة " الروحية " للإنسان ، والتي تمثل عنصر ارتباط الإنسان بربه وخالقه ، والتي تقوم بمعادلة أو موازنة تلك الاتجاهات التجاوزية التي تتصف بها المكونات البدنية ، بما يعطى الإنسان قيمته الحقيقية كإنسان ، ويتجلى هذا الدور من خلال ما يلي:

أ- يتصف الله - خالق لإنسان والكون - بكل صفات الجلال والكمال ، فهو سبحانه القوى القادر العليم الحكيم ، المنتقم الجبار ، الرءوف الرحيم ، الغفور الودود . 

ب- عرّف الله سبحانه وتعالي خلقه به وهم في عالم سابق على الوجود في هذه الدنيا ، فأشهدهم على ربوبيته ووحدانيته وهم في عالم الذر ، ( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) ( الأعراف : 172) كيلا يحتج أحد بعد ذلك بأنه كان عن هذا من الغافلين. 

ج- ثم إنه سبحانه - إيقاظا وتدعيما لما أودعه كامنا في هذه الفطرة - قد أرسل الرسل مذكرين ومبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، فمن حافظ على صفاء فطرته (على حالة الإشهاد) ونقاء سريرته فإنه يسارع عند سماع الرسل إلى التصديق والانضمام إلى أهل الإيمان ، وأما من التوتْ فطرته فإنه يلتصق بالأرض منضما إلى أهل التكذيب والضلال ، وهذا هو جوهر " الاختبار الإنساني" في هذه الحياة ، وهو أيضا المحك الذي في ضوئه تتحدد "نوعية حياة" الإنسان .

د- فأما من آمن برسالات ربه ، ثم اهتدى بإرشاد الرسل ، فوعى رسالته ووظيفته في هذه الحياة ، وعرف حق ربه ، فوقف عند أمره ونهيه ، فإن ثمرة ذلك تتمثل في ضبط تلك الصفات التجاوزية البدنية وكبح جماحها (إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الخير منوعا، وإذا مسه الشر جزوعا ، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، والذين في أموالهم حق معلوم .. ) (المعارج : 19: 24) وذلك إضافة إلى تحقيق الفلاح في الآخرة ( وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) (النازعات : 40 - 41) ، والعكس صحيح على كل المستويات وبكل المقاييس.

(8) ثم إن الله جل وعلا رادُّ الناس إلى معاد ، ومحاسبهم على ما استخلفهم فيه ، فمجازيهم على أعمالهم في حياة أخرى هي في التصور الإسلامي "الحياة" الحقيقية، أما الدنيا بكل ما فيها فإنها دار ابتلاء واختبار في مدى ودرجة الالتزام بواجبات العبودية الحقة لله .

(9) ومحور الحياة الروحية للإنسان هو " القلب" الذي يمثل الرابطة بين " المعرفة والاعتقاد " من جهة "والسلوك والإرادة" من جهة أخرى ، وقد عرّفه الإمام الغزالي بأنه هو "الروح الإنساني المتحمل لأمانة الله ، المتحلي بالمعرفة ، المركوز فيه العلم بالفطرة ، الناطق بالتوحيد بقوله (بلى شهدنا) ، وهو بهذا محل معرفة الله عز وجل"، فإذا قام القلب بوظيفته الروحية المتمثلة في معرفة الله عز وجل وحبه وعبادته وذكره وإيثار ذلك على كل شهوة سواء ، استقامت حياة الإنسان ككل ، فجاء سلوكه متمشيا مع ما يرضى خالقه وبارئه ، ومثل هذا الإنسان يحيا حياة طيبة مليئة بالطمأنينة والسكينة ، ويعيش مَنْ حوله منه في راحة ، حتى إذا جاء أوان الارتحال عن هذه الدنيا كان مآله نعيم الآخرة (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ( النحل :97) وأما إذا مرض القلب فلم يقم بتلك الوظائف فإن ذلك يكون مدعاة لاضطراب حياة الإنسان ككل ، فيعيش معيشة ضنكا (مهما تقلب في زخارف الدنيا) ، وكان الناس منه في بلاء وشر ، ثم هو في الآخرة من الخاسرين ، (ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) ( طه : 124) .

(10) من هذا يتبين أنه لا يمكن بأي حال فهم " الإنسان " أو تفسير سلوكه في حياته الفردية أو الاجتماعية إلا في ضوء ذلك البعد الروحي المتصل "بوعي" الإنسان بوجود ربه ومليكه ، و "معرفته" بصفات الخالق وأسمائه وكمالاته ، وما يترتب على ذلك من نوع "صلته" وصفة ارتباطه بالله عز وجل، ودرجة استعداده لملاقاته في " اليوم الآخر" يوم البعث والجزاء . فهذا البعد الروحي هو الذي يعطى حياة الإنسان معناها الحقيقي ، وهو ما يميز هذا التصور بوضوح ويباعد بينه وبين غيره من التصورات البشرية المادية التي تقف عند حدود الحياة الدنيا، ( ذلك مبلغهم من العلم)(النجم: 30). فالتصور الإسلامي إذن يؤكد فكرة المحافظة على نقاء الفطرة وسلامتها ، على أساس أنها هي التي تحفظ على الإنسان سلامة قلبه ، وعلينا أن ننتبه هنا إلى أن نوع الحياة المنطلقة من مثل ذلك " القلب السليم" تختلف اختلافا يكاد يكون كليا عن نوع الحياة التي طُمس فيها على القلب ، فالإنسان الذي صفا قلبه واستقامت فطرته يكون توكله على الله لا على نفسه أو الآخرين ، ويكون أنسه بالله ووحشته من الناس ، فيعيش حياة مختلفة وجوديا ، فحياته الداخلية مطمئنة هادئة ... لا تفجعه الفواجع ... ولا تطغيه النعم ... وإنما هو يعيش بين الصبر والشكر على مستوى يستحيل أن يتوفر لغيره ممن كبرت الدنيا في عينه .. ممن يصاب بالجزع والنكد إذا فقد من دنياه شيئا ولو قليلا ، ولا يأبه بضياع أخراه بكليتها ، أنسه بالناس وبما في يده من أعراض زائلة ... ووحشته من الله ومن كل ما يذكره به.

(11) يحتل مفهوم " مجاهدة النفس " مكانا محوريا في الحياة الداخلية للإنسان المسلم ، فالنفس (المتمثلة في تيار الوعي الإنساني ) تتنازعها قوتان : الدوافع المادية البدنية الأرضية التي تلح على الإشباع المباشر ، وتنـزع إلى الظلم والتجاوز في ذلك ، والنوازع الروحية التي تتوق إلى القرب من خالقها وإرضاء بارئها الذي تستشعر حبه وتشفق من غضبه وعقابه ، والتي ترتفع بالإنسان إلى آفاق تضمحل معها قيمة إشباع الحاجات الدنيا إلى حد كبير ، يصل إلى استعذاب الاستشهاد في سبيل الله (رغم أنه يعنى زوال النفس الواعية المكونة من البدن والروح) ، كما يعنى فناء البدن ، على أساس أن هذا يعني صعود الروح الباقية إلى حياة الخلود في النعيم والرضوان من رب العالمين. 

(12) بالقدْر الذي تسود به الفطرة السليمة العارفة بربها والمتصلة به يكون التوافق بين الإنسان ونفسه ، وبينه وبين خلق الله ، بل بينه وبين الوجود كله ، وبينه وبين ربه ، ويتنـزل الدعم والتأييد على الإنسان من "ملائكة" الرحمن (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) (فصلت: 30-31).

(13) وبالقدر الذي تسود فيه دفعات الغرائز الدنيا وتكبت فيه الفطرة السليمة يكون اضطراب الإنسان داخليا ، ويكون شعوره بعدم التوافق مع الخلق ، وبالتنافر مع هذا الوجود ، وتتنـزل "الشياطين" بالتحريض والتزيين لضمان استمرار الإنسان في هذا الطريق المهلك (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) (مريم:83) أي تهزهم وتستفزهم باطنيا (الطيب بن عاشور ،1984).



تشخيص المشكلات النفسية/الاجتماعية التي تواجه الفرد 



مفهوم المشكلات الفردية أو النفسية/الاجتماعية:

يتفق المشتغلون بالعلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية عموما على أن الإنسان مدني بطبعه، بمعنى أنه بطبيعة تكوينه محتاج للحياة في جماعة أو مجتمع يتعاون فيه مع غيره على إشباع حاجاته وحاجاتهم ، ولكن الحياة في جماعة تتضمن الدخول في عدد هائل من التفاعلات الاجتماعية التي لابد من تنظيمها ، مما يؤدي إلى ظهور عدد من النظم الاجتماعية (كالنظام الأسري والنظام الاقتصادي والنظام التعليمي …الخ) التي يضم كل منها عددا من المؤسسات التي يتم في إطارها إشباع الحاجات الإنسانية ، ثم إن التفاعلات التي تتطلبها عملية إشباع الحاجات في نطاق كل منها تحاط بمجموعة من المعايير والقيم التي تضبطها ، والذي يعنينا هنا هو أن النظم الاجتماعية في النهاية تتضمن مجموعة من المكانات الاجتماعية Status التي يحتلها الأفراد بحسب موضعهم في ذلك النظام (مثل مكانة الأب ، الابن ، الزوجة في النظام الأسري ، أو مكانة التلميذ ، المعلم في النظام التعليمي وهكذا..) ، ثم إن المجتمع يرتب توقعات للأدوارRole Expectations التي ينبغي على شاغل كل مكانة من هذه المكانات أن يقوم بها ، فإذا تصرف شاغلو المكانات واقعيا على الوجه المتوقع منهم فيما يتصل بأداء أدوارهم فيقال عندئذ أنهم متوافقون اجتماعيا ، أما إذا عجز الأفراد عن القيام بمتطلبات شغلهم لمكاناتهم الاجتماعية ( الأب الذي يقصر في رعاية أبنائه ، التلميذ الذي يتكرر رسوبه أو يتعاطى المواد المخدرة ، العامل متكرر الغياب عن العمل أو المعرض للحوادث بصورة متكررة…) فهنا يقال أنهم غير متوافقين اجتماعيا Maladjusted ، وعادة ما يصحب ذلك اضطراب في العلاقات الاجتماعية بينهم وبين من ترتبط مكاناتهم الاجتماعية بهم (النزاع بين الزوج والزوجة ، مشاجرات التلميذ مع زملائه أو معلميه …) ، وهنا يبدأ الحديث عن وقوع الفرد في المشكلات الفردية أو الشخصية أو المشكلات النفسية/الاجتماعية Psychosocial أي المشكلات التي تتفاعل فيها شخصية الفرد بجوانبها البدنية والنفسية مع قوى البيئة الاجتماعية.

وبطبيعة الحال فإن حياة الأفراد لايمكن أن تخلو من بعض المواقف الصعبة أو حتى الإشكالية التي يتمكن الفرد من التعامل معها سواء بمفرده أو مستعينا بأفراد أسرته أو أصدقائه ، ولكن بعض المواقف والصعوبات و المشكلات الشخصية قد تستمر وتستعصي على تلك المحاولات والجهود الذاتية للحل ، وهنا فقد يلجأ الفرد إلى إحدى المؤسسات الاجتماعية المتخصصة طلبا للمساعدة ، و لكنه أيضا قد لا يفعل ،وهنا فقد تتفاقم المشكلة وتؤدي إلى مضاعفات تهدد استمرار العلاقات الطبيعية مع المحيطين بالفرد ، فيخرج الموقف من الاختيار إلى الاضطرار عندما يتم تحويل صاحب المشكلة (من جانب مدير المدرسة أو قاضي محكمة الأحداث مثلا) إلى الأخصائي الاجتماعي أو إلى فريق المساعدة المهنية الذي قد يضم غيره من الأخصائيين النفسيين أو المشتغلين بالتوجيه والإرشاد [سنستخدم اصطلاح "الأخصائي" للدلالة على هؤلاء المتخصصين] لدراسة حالته وعلاجه ، وعادة ما يطلق على الفرد الذي يتقدم طالبا المساعدة بنفسه أو محولا من الجهات المختصة اصطلاحا "العميل" ، وتكون المهمة الأولى التي تواجه الأخصائي هي محاولة فهم الظروف والعوامل النفسية والأسرية والبيئية (الجيرة ، المدرسة ، مكان العمل ..الخ) التي تفاعلت في الموقف حتى انتهت إلى تلك الصورة الإشكالية ، ثم إنه في ضوء تشخيص المشكلة على هذا الوجه يعمل الأخصائي على وضع خطة علاجية تمكن العميل ليس فقط من تجاوز الموقف الإشكالي المباشر بل إلى العمل على إحداث التغييرات الملائمة في اتجاهات العميل وسلوكياته ليصبح أكثر قدرة في المستقبل على القيام بأعباء حياته في حدود المكانات الاجتماعية التي يشغلها ، وفي نطاق توقعات الأدوار الاجتماعية المرتبطة بتلك المكانات ، و في ضوء هذا يتبين لنا أن نجاح الفريق العلاجي إنما يتوقف إلى حد كبير على توافر قاعدة نظرية متماسكة لتفسير تلك المشكلات تكون أساسا للتشخيص ولتحديد طرق التدخل العلاجية الفعالة لمساعدة العميل على مواجهتها .



موقف العلوم الاجتماعية الحديثة من فهم أسباب المشكلات النفسية/الاجتماعية:

إذا رجعنا إلى الكتابات النظرية الحديثة للتعرف على التفسيرات التي تقدمها لنا للمشكلات الشخصية أو النفسية/الاجتماعية Psychosocial, Personal التي تواجه الفرد فإننا سنجد أن القليل من تلك الكتابات قد اهتم بهذا المستوى من المشكلات الشخصية، ولكننا نجد بدلا من ذلك عددا كبيرا من النظريات الجزئية المتنافسة التي تحاول تفسير هذه المشكلات أحيانا كمشكلات نفسية بحتة حتى وإن أعطت قدرا هامشيا من الاعتبار للجوانب الاجتماعية ، أو أحيانا أخرى كمشكلات اجتماعية بحتة يندر أن تعطي القدر الملائم من الاهتمام للأبعاد النفسية ، ومن هنا - ورغم هذا الثراء النظري - نجد أن أيا من تلك الأطر النظرية لم تفلح في تقديم صياغة تفسيرية متكاملة لهذا النوع من المشكلات، فنرى على سبيل المثال أن بعض الكتاب يرون أن المشكلات إنما ترجع في أساسها إلى الصراع النفسي (بين جوانب النفس المختلفة) ، كما يرى آخرون أن المشكلات عبارة عن سلوك يتم تعلمه من خلال مثيرات بيئية خارجية ، ولكننا نجد من جهة أخرى من يركزون جهودهم على تحليل المشكلات على أنها مشكلات "اجتماعية" فيميزون بين عملية التفكك الاجتماعي Social Disorganization وبين السلوك الانحرافي Deviant Behavior ، ويرون أن هاتين الفئتين متشابكتان متفاعلتان في الواقع تؤدى كل منهما إلى الأخرى ، بحيث أنك إذا تعرضت لدراسة أي مشكلة واقعية فستجد ما يشير إلى كل منهما ولكن بدرجات متفاوتة.

ويقارن بعض المؤلفين بين التفكك الاجتماعي والسلوك الانحرافي بقولهم أنه " إذا كانت نظرية التفكك الاجتماعي تركز على التغير الاجتماعي وما يؤدى إليه من اضطراب المعايير والنظم الاجتماعية ... فإن نظرية السلوك الانحرافي تركز على انحراف الفرد عن المعايير الاجتماعية " ، وبلغة أخرى فإن تفسير السلوك الانحرافي يقوم على الافتراض بأن المعايير الاجتماعية العامة سليمة ، ولكن لسبب أو لآخر فإن الأفراد لم تتم تنشئتهم تنشئة اجتماعية صحيحة تضمن التزامهم بتلك المعايير . ثم إن هناك عددا من النظريات المفسرة للسلوك الانحرافي ، تقوم إحداها على أن تنشئة الفرد قد تتم أحيانا في إطار " ثقافة فرعية انحرافية" Deviant Subculture كما في حالة من ينشأون في أحياء متخلفة تشيع فيها المعايير الانحرافية ، بينما ترى الأخرى أن السلوك الانحرافي يرجع إلى متابعة الفرد لمعايير يراها المجتمع والثقافة الفرعية انحرافية ولكنها تعتبر سوية في نظر جماعة مرجعية أخرىReference Group يتوحد معها الفرد ويتخذها مرجعا موجها لسلوكه ، كما ترى نظرية ثالثة أن السلوك الانحرافي يكون متوقعا عندما تحول أوضاع بنائية مستقرة في المجتمع - وبشكل مضطرد - دون إتاحة الفرصة لبعض فئات المجتمع للحصول على الوسائل المشروعة التي تمكنهم من تحقيق الأهداف المرغوب فيها وفق الإطار الثقافي السائد Anomie theory)) وهكذا .

وبصفة عامة فإننا نلاحظ أن التفسيرات التي تقدمها لنا تلك الأطر التصورية تتسم بالتركيز على الآليات والعمليات الاجتماعية من جهة ، وبالنسبية الثقافية من جهة أخرى ، فالتركيز على التغير الاجتماعي والتفكك الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي يجعل المشكلات الاجتماعية الواسعة النطاق تبدو وكأنها أمر طبيعي تحتمه ميكانيكية هذه الآليات الاجتماعية التي لا ترحم ، وأما التفسيرات التي تركز على دور المعايير الاجتماعية والثقافات الفرعية فإنها تبدأ وتنتهي من القيم الاجتماعية السائدة أيا كانت تلك القيم ، فتحيل التفسير إلى قضية فنية بحتة تتم فيها مضاهاة توجهات الثقافات الفرعية والسلوكيات الفردية على القيم التي تبنتها الثقافة الحاضرة في المجتمع ، أما نقد تلك القيم المجتمعية من منظور أرقى فإن هؤلاء العلماء يرونه خارج نطاق مهمتهم.

فإذا انتقلنا إلى الكتابات المهنية في محيط الخدمة الاجتماعية كإحدى مهن المساعدة الإنسانية ، فإننا سنجد أنها تعكس نفس الأطر التصورية السابقة التي وجدناها عند المتخصصين في علم الاجتماع ، مع محاولة لإيجاد قدر من التكامل بينها وبين ما يقدمه المتخصصون في علم النفس تفسيرا للمشكلات ذات الطبيعة النفسية التي تواجه الأفراد ، والواقع أنه يمكننا - مع المخاطرة بالوقوع في قدر من التبسيط الزائد - القول بأن كتابات الخدمة الاجتماعية تنظر لأسباب هذه المشكلات الفردية أو الشخصية على أنها تتمثل فيما يلي:

1- النقص أو القصور في إشباع الحاجات الإنسانية ( مع تعريف الحاجات تعريفا ضيقا يكاد ينصب أساسا على الحاجات المادية ثم ما يتبعها من حاجات نفسية واجتماعية) وما يترتب على ذلك القصور في إشباع الحاجات من إحباط وعدوان.

2- ما يترتب على استمرار القصور في إشباع الحاجات من مشكلات في العلاقات مع الآخرين وفي التوافق الاجتماعي ، وهو ما يعبر بالمشكلات المتصلة بعملية " أداء الوظائف الاجتماعية" Social Functioning.

3- العمليات الاجتماعية الأشمل التي تحيط بهذا كله كالتغير الاجتماعي وما يؤدى إليه من تفكك اجتماعي Social Disorganization يتصل بقصور النظم لاجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة.

وتتفاوت المحاولات المختلفة للتنظير بعد ذلك في تركيزها على عامل أو آخر من تلك العوامل ، أو حتى في التركيز على الديناميات التي تندرج تحت أي عامل منها بذاته ، أو في تشكيلة العوامل التي تجمع بينها كأسباب للمشكلات، في حين يرى غيرهم أن المشكلات ترجع إلى تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل البيئية .

والآن ما هو موقفنا كمسلمين من هذه التفسيرات لأسباب المشكلات الفردية أو المشكلات الشخصية أو النفسية/الاجتماعية ؟ إن من الطبيعي أن مناقشتنا لهذه القضية ينبغي أن تكون مبنية بشكل مباشر على ما توصلنا إليه في دراستنا لطبيعة الإنسان بمختلف جوانبها المادية والروحية ، وتوضح ديناميات التفاعل بين تلك القوى الداخلة في تكوين ذلك الإنسان ، وبيان تأثيراتها على العلاقات بين الناس.



الدوافع والحاجات الإنسانية:

رأينا فيما سبق أن تفسير المشكلات النفسية/الاجتماعية يدور أساسا حول فكرة إشباع "الحاجات الإنسانية" - أو بالأحرى الحرمان من إشباعها - وما يترتب على ذلك من إحباط وعدوان ، يتفاقم تحت تأثير الانقطاع في عملية التنشئة الاجتماعية أو اضطراب المعايير الاجتماعية ، مما يؤدي إلى المشكلات في العلاقات الاجتماعية ، وفي أداء الوظائف الاجتماعية ، فإذا تأملنا توصيف تلك الحاجات الإنسانية في الكتابات المعاصرة فإننا نجدها تنحو منحى ماديا متطرفا قاصرا على هذه الحياة الدنيا ينسجم مع النظرة للطبيعة الإنسانية على الوجه الذي ألمحنا إليه ، ويحتل ابراهام ماسلو مكانا خاصا جدا فيما يتعلق بنظرية الدوافع الإنسانية A Theory of Human Motivation التي قدمها عام 1943 ولا زالت توجه فكر المشتغلين بالعلوم الاجتماعية ومهن المساعدة الإنسانية إلى اليوم ، حيث رأى أن الدافعية تحركها "الحاجات الإنسانية الأساسية" The Basic Needs التي رتبها في شكل هرم متدرج Hierarchies of Prepotency قاعدته الحاجات الفزيولوجية Physiological Needs (كالحاجة إلى الطعام والشراب والجنس) يليها حاجات الأمن أو السلامة Safety Needs (من المرض أو ما يهدد الحياة) يليها الحاجة إلى الحب والتعاطف والانتماء Love Needs ثم الحاجة إلى التقدير واحترام الذات والشعور بالاحترام والتقدير من جانب الآخرين Esteem Needs ، وأخيرا الحاجة إلى تحقيق الذات Need for Self-Actualization أي تحويل إمكانات الفرد واستعداداته إلى واقع متحقق بالفعل. وبالرغم من أن ماسلو في أخريات حياته قد عدل نظريته في بحث مهم نشره عام 1967 بعنوان "نظرية في الدوافع الأرقى" A Theory of Metamotivation حيث ذكر أنه قد تبين له أنه حتى بعد أن يحقق الإنسان ذاته فإنه يظل مدفوعا بحاجات "روحية" تدفع الناس لتكريس حياتهم لرسالة نبيلة أو واجب أو مهمة "خارج أنفسهم" يضحون بكل شئ من أجلها ، إلا أنه لنزعته التطورية لم يسلِّم أبدا بأي وجود متمايز للروح واعتبر أن الأمر لا يخرج عن كونه نوعا من الحيوانية الأرقى ! وحتى مع هذا فإن نظريته الأخيرة هذه لم تلق من الذيوع معشار ما لقيته نظريته القديمة. 

وفي ضوء هذا العرض يتبين لنا بوضوح أن العلوم الاجتماعية الحديثة تبدو وكأنها قد عقدت العزم وجمعت الهمة على أن لاترى في الإنسان إلا كيانه المادي في نطاق هذه الحياة الدنيا كما رأينا ، وأن تعتبر أن الإنسان لا يمثل إلا امتدادا تطوريا لعالم الحيوان [ لاحظ أن بحوث ماسلو وتجاربه في مقتبل عمره منذ 1932 قد اقتصرت تماما على دراسة سلوك القردة العليا وغيرها من أنواع الحيوان] ، أما النظرة الإسلامية للحاجات فإنها تقوم بدلا من ذلك - على ما فصلناه عند الحديث عن الطبيعة الإنسانية _ على أساس أن هناك حاجة أولية مهيمنة على جميع الحاجات - لأنها ضامنة لإشباعها جميعا - أولا وهي الافتقار إلى الله عز وجل والمتضمنة في قوله تعالي " يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ، والله هو الغنى الحميد " (فاطر : 15) حيث يفسر ابن كثير "أنتم الفقراء” بقوله " أي أنتم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات ، كما فسر الفخر الرازي "إلى الله" بأن في هذا إعلاما من الله بأنه لا افتقار إلا إليه ، وأن هذا يوجب عبادته لكونه مفتقرا إليه سبحانه ، وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره ، فالإنسان في حاجة إلى الله لأنه سبحانه وتعالي هو الذي خلقه وسخر ما في السماوات وما في الأرض لإشباع حاجاته الدنيوية ، وكل إنسان كائنا من كان في حاجة إلى شكر الله - بعبادته - حتى تقضى احتياجاته في الدنيا وفي الآخرة أيضا .

وإذن فالإسلام ينظر للحاجات المادية وغير المادية على أن لكل منها مشروعيته ، ولكنه ينظر لإشباع كل الحاجات جميعها من منظور لا يتوقف فقط عند حدود هذه الحياة الدنيا ، بل يربط دوما بين كل ما في الدنيا وبين الآخرة التي هي دار القرار، فيجعل إشباع الحاجات الدنيوية "وسيلة" طيبة للقيام بمهام العبودية لله ولا يجعل ذلك الإشباع غاية في ذاته . وإذن فإنه على عكس ما يظن المتخصصون في العلوم الاجتماعية المعاصرة (إضافة إلى ما في أقوالهم من حق) فإن من الممكن القول أن حاجات الإنسان في المنظور الإسلامي تقع في فئتين رئيسيتين على الترتيب الآتي:

1- الافتقار إلى الله عز وجل، والحاجة إلى الارتباط به والاستمساك بحبله المتين ، باعتبار أن هذا الارتباط بالله فيه الضمان لإشباع كل حاجة أخرى في هذه الحياة الزائلة المتحولة ، بل وفيما وراءها مما يعتبر الحياة الحقيقية الدائمة.

2- الحاجات المادية والنفسية والاجتماعية " الدنيوية " ، التي أفاض في وصفها وتحليل أبعادها أولئك المتخصصون في العلوم الاجتماعية ، والتي تتصل بإشباع الحاجات الفزيولوجية والحاجة إلى الأمن والحب والتقدير والمكانة وصولا إلى تحقيق الذات .. الخ .

والمنظور الإسلامي يقوم على الارتباط الوثيق بين هذين النوعين من الحاجات ، بشكل يتوازى مع الارتباط الوثيق بين الروح والبدن ، اللذين منهما يتكون الإنسان ولكن مع أولوية وهيمنة النوع الأول من الحاجات على الوجود الإنساني ككل .

وفي ضوء ذلك الفهم فإن بإمكاننا القول - بصورة مبدئية - بأن التصور الإسلامي لتفسير المشكلات الفردية أو المشكلات الشخصية النفسية/الاجتماعية يقوم على مبدأين أساسيين يمكن صياغتهما في شكل قضايا يمكن استنباط فروض قابلة للاختبار منها فيما يلي:

المبدأ الأول : إن انقطاع أو ضعف صلة الإنسان بالله عز وجل يعتبر في ذاته سببا " ضروريا وكافيا وحده" لوقوع الفرد في المشكلات الشخصية والمشكلات المتصلة بالعلاقات الاجتماعية في هذه الحياة الدنيا ، كما يكون فوق ذلك سببا للهلاك في الآخرة ، ويصدق ذلك عند كل مستويات إشباع الفرد للحاجات الدنيوية المذكورة.

وتفسير ذلك : أن انقطاع الصلة بالله أو ضعفها يؤدى إلى افتقاد إشباع النوع الأول من الحاجات ، ألا وهو افتقار الروح إلى الارتباط بخالقها وبارئها الذي ليس لها من دونه من ملجأ أو ملاذ ، هذا من جهة ، كما أن انقطاع الصلة بالله أمر يجلب سخط الله وغضبه وخذلانه للعبد من جهة أخرى ، فالإنسان إذا افتقد اليقين بالله سبحانه وتعالي ، وإذا ضل عن طريق الله الذي اشترعه لعباده ، فإنه يتخبط في إشباع حاجاته الدنيوية (المادية والنفسية والاجتماعية ) على غير هدى من الله ، فيبالغ مبالغة شديدة في الجزع من أي نقص في إشباع تلك الحاجات التي هي عنده غاية الغايات ، وفوتها لا يعوض لا في عاجل ولا في آجل ( في الدنيا والآخرة ) ، فتتأثر بذلك حالته الانفعالية ، وقد يمتد التأثير إلى إحداث أعراض بدنية/نفسية Psychosomatic ، وعلى الجانب الآخر... فإن من توفرت له الموارد الوافرة لإشباع حاجاته المادية يميل إلى الطغيان والتجاوز ، فيكون بذلك سببا في المشكلات لنفسه ولغيره ، ومن ذلك نستنتج أن نقص المعرفة واليقين بالله تعالي يؤدى إلى وقوع المشكلات سواء أشبعت الحاجات المادية على أرقى مستوى أو كان الحرمان والافتقار إلى الموارد . والأدلة الشرعية على صحة هذا المبدأ لا حصر لها ولكننا نكتفي هنا بهذه الآيات الكريمة من سورة طه "قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (123-127).

المبدأ الثاني : إن القصور في إشباع الحاجات الدنيوية (المادية والنفسية والاجتماعية ) سبب ضروري - ولكنه ليس كافيا وحده - لوقوع الفرد في المشكلات الشخصية والمشكلات المتصلة بالعلاقات الاجتماعية ، وذلك على أساس أنه حتى في حالة وجود مثل ذلك القصور في الموارد المادية مع حسن الصلة بالله سبحانه وتعالي فإن المشكلات التي يواجهها الفرد تكون أقل حدة بكثير - ويتوقف الأمر على درجة ونوع تلك الصلة بالله جل وعلا.

وتفسير ذلك: أن المنظور الإسلامي يقوم على أن للإنسان ولا شك حاجاته الدنيوية التي بها قيام حياته واستمرارها ، ولكن هذه الحاجات تتسم أيضا بأنها شديدة النسبية نتيجة لما يتميز به الإنسان من مرونة مدهشة في هذا الصدد ، فإذا نظرنا إلى الحاجة إلى الطعام كمثال لوجدنا أن الإنسان في الأساس تكفيه " لقيمات يقمن صلبه" ولكنه مع ذلك قد يتجاوز في طلبه إشباع تلك الحاجة تجاوزا كبيرا بحيث تتطلب الكثير والكثير لإشباعها . ومن هنا فإن الناس عندما يواجهون بظروف يفتقدون فيها من الموارد ما يشبع حاجاتهم الدنيوية فإنهم قد يتعرضون للمشكلات ، ولكن درجة الشعور بالإحباط وحجم العدوان المصاحب لهذا الشعور يتوقف على عوامل متعددة.

ويبدو لنا أن التصور الإسلامي يقوم على أن أهم هذه العوامل - مرة أخرى - هو نوع صلة الإنسان بربه ، فالإنسان الذي يوقن بأن له ربا يملك خزائن كل خير في الأرض أو في السماء ، وأنه الكريم المرتجى عفوه والمأمول عطاؤه ، ولكنه أيضا يؤمن بأن الله يعطى ويمنع بقدَر وفقا لحكمته وعلمه بما يصلح خلقه ، فإنه لابد أن يوقن إما بقرب الفرج في العاجل وبضمان التعويض عما فاته في الدنيا ، وإما بالأجر العظيم الذي وُعده الصابرون في الآخرة ، بما يؤدى إلى الاطمئنان النفسي الذي يقلل معدلات التوتر والإحباط والعدوان - التي تصاحب بشكل طبيعي نقص إشباع الحاجات - بل وقد تؤدى إلى استبعاد مثل هذه المشاعر والاتجاهات كلية في بعض الحالات وعند بعض الأشخاص .

ونود أن نذكِّر هنا بأن غرضنا الأساسي في هذا البحث ليس هو حصر أو استنفاد العوامل المؤثرة في إحداث المشكلات النفسية/الاجتماعية بقدر لفت الأنظار إلى العوامل الفريدة التي يتميز بها التصور الإسلامي عن التصورات الوضعية الشائعة بيننا اليوم ، بما يؤدى - إن شاء الله تعالي - إلى مناقشة تلك الصياغات وإجراء الحوار حولها ، بما يمهد الطريق أمام إجراء الدراسات والبحوث التي تختبر تلك الأطر النظرية .



التدخل المهني لعلاج المشكلات النفسية/الاجتماعية التي تواجه الفرد



يتضمن التدخل المهني لعلاج المشكلات الفردية أو النفسية/الاجتماعية في التصور التقليدي للخدمة الاجتماعية جانبين أساسيين يترابطان فيما بينهما أشد الترابط وهما:

1- تقدير الموقف أو الحاجة أو المشكلة أو السلوك Assessment في ضوء افتراضاتنا الأساسية حول الطبيعة الإنسانية ، وفي ضوء النظريات المفسرة للسلوك الإنساني في محيطه الاجتماعي ، وفي ضوء فهمنا للأسباب العامة لتلك المشكلات ، واسترشادا بالنسق القيمي للمجتمع وأهدافه العامة ، ويتضمن ذلك:

أ- جمع البيانات الدقيقة حول الوضع الراهن الذي يعايشه العميل بدءا من وصف الشخصية ... إلى مسح الظروف البيئية .. إلى توصيف طبيعة العلاقات بين الشخص والبيئة في الوقت الحاضر.

ب- مقارنة الوضع الراهن بالسمات المعيارية التي تحدد ما هو "طبيعي" أو "سوى" بالنسبة لمن هم في مثل خصائصه الديموجرافية في ضوء النظرية (أو النظريات ) المعتمدة .

ج- الانتهاء بتحديد مناطق أو مواضع الافتراق عن النمط ا