مفهوم المجتمع والمشكلات الاجتماعية

مفهوم المجتمع والمشكلات الاجتماعية

 

يعتبر اصطلاح "المجتمع" Society من أكثر المصطلحات شيوعا واستخداما في الخطاب العام وفي الخطاب المتخصص في العلوم الاجتماعية ، ولكن الكثيرين يستخدمونه ليشيروا به إلى معنى عام يشوبه الغموض ودون تحديد ، مما يؤدي إلى صعوبات في الفهم والتواصل ، ومن هنا تأتي أهمية هذه الورقة التي نستجلي فيها أبعاد هذا المفهوم الحيوي انطلاقا من المصطلحات والتعريفات المتفق عليها في محيط العلوم الاجتماعية ، فما هو المجتمع ؟ وما مكوناته ؟ وما هي طبيعة عملية التنظيم الاجتماعي التي يتم من خلالها تظهر المجتمعات البشرية ؟ وما هي العمليات الاجتماعية الأساسية التي من خلالها يقوم المجتمع بأداء وظائفه؟ وكيف يحافظ المجتمع على بقائه واستمراره بالرغم من عواصف التغير التي تحيط به من كل جانب ؟ إن هذه بعض الأسئلة الأساسية التي سنحاول الإجابة عنها في هذه العجالة التي نعتبرها دليلا يمكن أن يفيد القارئ المثقف المهتم بقضايا المجتمع من جهة ، ولكنها في الوقت ذاته تمثل دليلا متماسكا يمكن أن يقود خطى الباحث الراغب في مزيد من التوسع . 1- الحاجات الإنسانية والمجتمع الإنساني لا يختلف أحد على أن المكون الأساسي فيما يسمى بالمجتمع Society هو الناس أو البشر الذين يجتمعون معا في نوع من التقارب المكاني في منطقة جغرافية كبيرة أو صغيرة ، وإذا تساءلنا عن السبب الذي يدفع الناس إلى التجمع معا على هذا الوجه فإننا نقول أن الناس قد تجمعوا معا "لإشباع حاجاتهم الإنسانية" Human Needs ، فأي إنسان لا يستطيع أن يعيش منفردا ، وذلك لسبب معروف ... هو أنه سيعجز عن إشباع حاجاته بنفسه. وحاجات الإنسان تتميز "بالتعدد والتنوع"... حيث أن له ألوانا متعددة من الحاجات الجسمية (البيولوجية) والنفسية والاجتماعية ، كما أن حاجات الإنسان تتميز "بالتجدد" بمعنى أن إشباع أي من تلك الحاجات مرة واحدة لا يكفي لإشباعها للأبد ، إذ سرعان ما يتجدد الشعور بالحاجة بعد فترة من الزمن طالت أو قصرت ... فالإنسان قد يشبع حاجته للطعام الآن ولكنه سرعان ما يشعر بالحاجة إلى الطعام تتجدد بعد بضعة ساعات وهكذا ، ومن هنا فإن حاجته إلى الآخرين متجددة ، وهناك سمة أخرى لها أهمية خاصة وهي أن الحاجات الإنسانية "نسبية" ... بمعنى أنه ليست هناك أي وسيلة لتحقيق الإشباع المطلق للحاجات الإنسانية ، فالحاجة إلى الطعام التي قد تشبعها كسرة من الخبز سرعان ما تتحول إلى طلب ألوان من الأطعمة التي تبدأ النفس تشتهيها إذا اعتادت أو اطمأنت إلى توافر الخبز وهكذا ، حتى يصل الأمر إلى أن يدخل في شرط إشباع الحاجة إلى الطعام ضرورة توافر أمور لا تتصل مباشرة بالطعام في ذاته مثل الحاجة إلى مائدة "نظيفة" تزينها الزهور وهكذا. وهذا مصداق لقول الرسول الكريم الذي أورده البخاري "لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ (وفي رواية لمسلم : من ذهب) لابْتَغَى ثَالِثًا ، وَلا يَمْلأ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ... أي أن حاجات الإنسان لا تقف عند حد حتى يتوفاه الموت. في ضوء تلك السمات التي تتميز بها الحاجات الإنسانية لا يمكن إذن أن نتصور وجود الإنسان إلا في وسط غيره من بني الإنسان ، وذلك بهدف أساسي هو إشباع حاجاته الإنسانية ، ونضيف هنا أن طفولة الإنسان الطويلة (التي تصل في المجتمع الحضري الحديث إلى مايزيد عن العشرين عاما) تجعل الإنسان معتمدا في بقائه حيا على وجوده في وسط إنساني ، فهو يولد ككتلة مدهشة من الحاجات والإمكانات الكامنة ، ولكن نمو تلك الإمكانات أو تحولها إلى قدرات يستطيع استخدامها للوفاء بحاجاته بدرجة ما من الاستقلال النسبي لا يتم إلا "باستثارة" تلك الإمكانات وبالتدريب المستمر الذي ينتهي باكتساب الإنسان لخصائصه الإنسانية. ولكن تجمع الناس معاً لإشباع حاجاتهم على هذا الوجه يكون مستحيلاً بغير "تنظيم"، ومن هنا تأتى أهمية عملية التنظيم الاجتماعي Process of Social Organization التي تحدث دائما كعملية "تلقائية" في كل تجمع إنساني. 2- عملية التنظيم الاجتماعي : الجانب التفاعلي بمجرد تجمع الناس معا لإشباع حاجاتهم الإنسانية فإنه "تطرأ على سلوكهم تعديلات في ضوء إدراكهم لوجود الآخرين" ، فلو وُجد الإنسان في حجرة خالية مثلا فإن سلوكه سيكون فقط تعبيرا عن حاجاته بطريقة مباشرة ، أما لو أنه وجد مع آخرين في تلك الحجرة فإنه سيبدأ حتما يأخذ وجود الآخرين في اعتباره، وبهذا يتعدل سلوكه ويطرأ عليه قدر من "الانتظام" المحدود الذي يساعدنا على التوقع أو التنبؤ بسلوكه ، وهذه العملية على بساطتها تمثل جوهر كلمة "اجتماعي" ، أي تأثر السلوك بوجود الآخرين لأن معناه أن السلوك "الاجتماعي " هو حصيلة لدوافع داخلية في الفرد وردود فعل متوقعة من جانب الآخرين في نفس الوقت مما يجعلنا نتكلم عن حدوث "تفاعل اجتماعي" يمثل المستوى الأساسي الأول لعملية التنظيم الاجتماعي ، ولا يخرج عن كونه ذلك التعديل الذي يطرأ على سلوك الفرد نتيجة لوجوده في وسط إنساني. وإذا كنا قد قلنا أن حاجات الإنسان (التي يتجمع الناس معا لإشباعها وبسببها يدخلون في عدد هائل من التفاعلات الاجتماعية) تتسم بالاطراد والتجدد فإن معنى هذا أن "التفاعلات الاجتماعية" Social Interactionستتكرر وتتركز بشكل خاص في المواقع والمواقف التي يتم في إطارها إشباع تلك الحاجات ، كما ونستطيع أن نتوقع أيضا أن التفاعلات التي تحدث حول كل من تلك المواقف ستتم على نفس النمط المطرد المستمر ، بما يمكننا من تمييز كل مجموعة من تلك الأنماط التفاعلية على الأرضية العامة غير المتمايزة للتفاعلات الاجتماعية التي تحدث بين الناس ، ونحن نستطيع أن نطلق على مجموعة التفاعلات الاجتماعية التي تتم بشكل مطرد ومستمر نسبيا على نفس الوتيرة أو النمط العام اصطلاح "العلاقات الاجتماعية" Social Relationships ومثالها علاقة الأب بالابن ، والزوج بالزوجة ، والمستأجر بالمالك ، والصديق بصديقه وهكذا ... ونحن نستطيع أن نتصور المجتمع (أو أن نعرّفه" مبدئيا) على أنه عبارة عن مجموعة من الناس بينهم عدد هائل من العلاقات الاجتماعية المتنوعة – وهو تصور صحيح وإن لم يكن دقيقا. والناس سرعان ما يتبينون أن بعض أشكال السلوك الذي يتم في إطار تلك العلاقات الاجتماعية مما يساعد "فعلا" على تحقيق أهداف التجمع الإنساني (إشباع الحاجات الإنسانية) وأن بعضها الآخر يتعارض مع إشباع حاجات الفرد أو المجتمع ككل في المدى القريب أو المدى البعيد ، ولذلك يبدأ الناس في وضع مستويات للسلوك الذي يُنظر إليه على أنه "مرغوب فيه" ، وهي مستويات تستمد من خلال الخبرات الحية الواقعية للناس في تفاعلهم الاجتماعي ، ويمكننا أن نطلق على هذه المعايير أو المستويات من السلوك الذي ينظر إليه على أنه مرغوب فيه بمعنى أنه يحقق أهداف المجتمع الإنساني (إشباع الحاجات الإنسانية) اصطلاح "المعايير الاجتماعية" Social Norms ومثال من أمثلة تلك المعايير ما يتوقعه المجتمع من الطالب من جهة الاعتماد على نفسه فقط في قاعة الامتحان أو أن ما يتطلبه من التاجر ألا يتعمد إخفاء عيون سلعته أمام المشترى وهكذا. ويمكننا هنا أن نتصور ظهور عدد كبير جدا من المعايير الاجتماعية تحدد ألوان السلوك المرغوب شيوعه في العلاقات الاجتماعية بين الناس ، وأن يلاحظ الناس أن هناك أوجها للشبه بين تلك المعايير – ذلك أنها جميعا تستهدف هدفا واحدا في النهاية (لا يخفى على القارئ) ألا وهو إشباع الحاجات الإنسانية – ولذلك فإنهم ينظرون لتلك "الأفكار أو التفضيلات المجتمعية على أن لها قيمة في ذاتها" ولذلك فإننا نسميها "القيم الاجتماعية" Social Values وفي المثال السابق فإن القيمة التي يمكن استخلاصها من المعايير المشار إليها هي قيمة "الأمانة" ، ومن الأمثلة الأخرى القيم الاجتماعية الصدق والتضحية في سبيل الوطن وهكذا... وبطبيعة الحال فنحن ندرك السر في تفضيل المجتمع لهذه القيم واعتبارها فضائل مرغوبة ... وهو أن الناس قد تبينوا من خلال الخبرة الفعلية المشتركة والمعاناة الواقعية أن شيوع تلك التفضيلات في نسيج العلاقات والتفاعلات الاجتماعية يؤدى إلى تحقيق أهداف التجمع الإنسان في المدى القريب أو البعيد. ووفقا للتحليل السابق فإن القيم الاجتماعية في الحقيقة تركز وتلخص أثمن ما في خبرات المجتمع وتجاربه في المعيشة المشتركة التي تضمن تحقيق أهداف التجمع الإنساني ، وهذه هي نقطة قوة القيم الاجتماعية ولكنها هي نقطة ضعفها أيضا ، فإن هذه السمة (تحقيق أهداف التجمع الإنساني) تتحقق فقط إذا افترضنا أن هذه العملية – عملية التنظيم الاجتماعي في جانبها التفاعلي – التي تؤدى إلى بزوغ القيم الاجتماعية لا يعوقها عائق ، وهذا ما لا يتحقق دائما... فالتجمعات البشرية تتخذ عادة شكل وحدات سياسية مترابطة نسبيا في داخلها ، تدخل مع غيرها من الوحدات الاجتماعية في أشكال متنوعة من العلاقات ودرجات مختلفة من السيطرة والخضوع ، وعملية التنظيم الاجتماعي حساسة بشكل كبير لعلاقات القوة ، ومن هنا فإذا تصورنا مجتمعا قد خضع للاستعمار من جانب مجتمع آخر أكثر قوة ، فإن من غير المعقول أن نتوقع أن عملية التنظيم الاجتماعي ومنتجاتها من معايير وقيم اجتماعية ستستهدف فقط إشباع حاجات السكان الوطنيين ، بل إن الأقرب إلى المنطق القول بأن عملية التنظيم الاجتماعي سيتم التحكم فيها بالقوة لتحقيق مصالح المستعمِر، وبذلك فإن القيم التي تنشأ في هذه الظروف ستكون قيما محرّفة ملتوية تركز على إشباع الحاجات القريبة المدى على المستوى الفردي (بهدف المحافظة على بقاء الأفراد أحياء على الأقل) ولكنها تتجاهل إشباع الحاجات بعيدة المدى على مستوى المجتمع ككل (أي المحافظة على بقاء المجتمع ونظمه ومؤسساته الموجهة لخدمة حاجات سكانه). ونستطيع أن نسوق في هذا الصدد مثالاً آخر يتمثل في انتشار ظاهرة وأد البنات في الجاهلية ، فذلك المجتمع كان قائما على الصراع والغلبة والإغارة الدائمة من القبائل على بعضها البعض ، (تأمل قول الشاعر: "بغاة ظالمين وما ظُلمنا، ولكنا سنبدأ ظالمينا" لكي ترى طبيعة ونوعية التفاعل الاجتماعي السائد لأسباب تاريخية خاصة بهذا المجتمع) فإذا كان الحال كذلك ، وإذا كان سيترتب على تلك الغارات المتكررة سبي النساء ومهانتهن فإن العربي في الجاهلية يفضل الموت لابنته على يديه على تركها لتعيش مع احتمال يقرب من اليقين على أنها ستكون سبيّة في أول غارة تقوم بها القبيلة المجاورة... إذن فمن "الطبيعي" تحت هذه الظروف أن تنخفض قيمة "الحياة" بالنسبة للبنات تحت هذه الظروف الاجتماعية الشاذة ، وإذن فإن القيم الاجتماعية تكون معرضة دائما لمخاطر الانحراف عن تحقيق الأهداف الاجتماعية الأساسية المتصلة بإشباع حاجات أعضاء المتجمع خصوصا في المدى البعيد. ومن هنا نشأت حاجة المجتمعات إلى نوع آخر من القيم "الجاهزة" الآتية من مصدر محايد لا يتحيز لطبقة اجتماعية على أخرى ولا لقبيلة على قبيلة ولا يتأثر ببناء القوة في المجتمعات أو فيما بين المجتمعات ... وهذا هو المصدر الإلهي بطبيعة الحال ، فالرسالات السماوية كلها تقوم على الإشارة إلى مجموعة من القيم الدينية Religious Valuesالتي ترشِّد القيم الاجتماعية المستخلصة من التفاعل الاجتماعي وتكمّلها وتستهدف تحقيق نوع من التوازن بينها، بما يؤدى في النهاية إلى إشباع حاجات المجتمع ليس فقط في المدى القريب والمدى البعيد بل وأيضا فيما وراء المدى البعيد (أي في الحياة الأخرى) ... وفي المثال السابق فإن عرب الجاهلية قد تم علاج جهازهم القيمي عن طريق الإسلام الذي أعلى من شأن قيمة حق "الحياة" وأكد على منع الظلم والاعتداء مما أدى إلى شيوع الأمن في جزيرة العرب ، وهذا بدوره جعل فكرة وأد البنات غير ذات موضوع ، وبذلك تم القضاء عليها بصورة فورية. وما يهمنا هنا هو أن القيم بنوعيها الاجتماعي والديني تكون معا "نسقا قيميا" Value System واحدا في النهاية ، تمتزج أجزاؤه ، ويعتبره المجتمع جزءا من أهم أجزاء نسيجه الثقافي الذي يتم تلقينه (خلال عملية التنشئة الاجتماعية) لأفراد المجتمع منذ نعومة أظفارهم ، وذلك لضمان توجيه سلوكهم وعلاقاتهم على أساس من تلك المعايير والقيم ، ذلك أن امتصاص الفرد لتلك القيم خلال تنشئته الطويلة تؤدى إلى تشكيل "تفضيلاته" وفقا لتلك القيم التي تصبح جزءا من شخصيته ... وإذا كنا قد قلنا أن القيم هي عبارة عن "تفضيلات" تحقق في النهاية إشباع الحاجات الإنسانية ، فإن معنى امتصاص تلك القيم والتصرف وفقا لها في مختلف جوانب الحياة أن يحقق الناس جميعا إشباع حاجاتهم وبأقل قدر من الاحتكاك أو الصراع ، وبطبيعة الحال فإن المجتمع لا يترك هذه القيم – نظرا لأهميتها القصوى – تحت رحمة عملية التنشئة الاجتماعية ودرجات فاعليتها المختلفة، ولذلك فإنه يسند القيم ويدعمها بإصدار القوانين والتشريعات التي ترتب جزاءات Sanctions (ثوابا وعقابا) على أي سلوك يتصور أن يتوافق أو يتنافي مع تحقيق أي جزء من أجزاء النسق القيمي للمجتمع ، وبالتالي فهو يعطى القيم أنيابا ومخالب تدافع بها عن نفسها ، وهي بهذا تدافع عن المجتمع نفسه من أن تقوضه ألوان السلوك غير الموجه بالقيم الاجتماعية التي تمثل صلب ما اتفق الناس على أنه لا حياة للتنظيم الاجتماعي بدونه ، "ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب". 3 - النظم الاجتماعية تكلمنا حتى الآن عن الجانب "غير المادي" من عملية التنظيم الاجتماعي وهو الجانب المتصل "بالتفاعل الاجتماعي" الذي ينتهي إلى إفراز المعايير والقيم الاجتماعية ، كما أوضحنا دور القيم الدينية الربانية في ترشيد وتصحيح مسار تلك المكونات التفاعلية البشرية ... وننتقل الآن لمناقشة الجوانب "المادية" لعملية التنظيم الاجتماعي ، فنحن ندرك أن الموارد التي خلقها الله في الطبيعة في معظم الأحيان لا يمكن استخدامها مباشرة في إشباع الحاجات الإنسانية ، بل غالباً ما تحتاج إلى عمليات تحويل أو تعديل أو "تصنيع" ، وقد عكف الإنسان منذ فجر التاريخ على ابتكار بعض الآلات والأدوات المادية التي تعينه على إشباع تلك الحاجات ، وقد ظل البشر يتقدمون في هذا السبيل حتى توصلوا إلى ابتكار آلات متطورة وترتيبات مادية تتيح إشباع تلك الحاجات عند مستوى أفضل، وقد ارتبط هذا بازدياد الاتجاه نحو التخصص وتقسيم العمل في كل من تلك العمليات التحويلية ، وترتب على هذا كله أن عمليات إشباع الحاجات اليوم تتم في إطار "مؤسسات مادية" تضم المباني ، والأدوات ، والمهمات اللازمة لإجراء عمليات التحويل المطلوبة سواء في النواحي المادية أو الإنسانية بما يؤدى إلى إشباع الحاجات ، ومثال تلك المؤسسات المصنع والمتجر والبنك والمدرسة والمستشفي وهكذا. وقد اتفق علماء الاجتماع على تصنيف ما تشابه من الحاجات الإنسانية وغيرها من متطلبات الوجود الاجتماعي المنظم في مجموعات من الوظائف والعمليات الاجتماعية مثل التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي والإنتاج والتوزيع ، وتصنيف تلك "المؤسسات" وفقا للوظائف التي تقوم بها ، فالمصنع والمتجر والبنك وشركة التأمين مثلا تسمى مؤسسات "اقتصادية" تختص بالقيام بوظائف الإنتاج والتوزيع بالنسبة للموارد النادرة ، أما دار الحضانة والمدرسة ومركز التدريب والجامعة فكلها مؤسسات "تعليمية" تقوم بوظائف تتصل بالتنشئة الاجتماعية وهكذا. وعلى ذلك فإن الناس يتجمعون في نطاق تلك المؤسسات المادية لإشباع حاجاتهم ، وتحدث بينهم تفاعلات وعلاقات نمطية تنظمها معايير وقيم وتسند جميعا إلى قوانين وتشريعات ترتب جزاءات على مختلف ألوان السلوك الاجتماعي التي تتم في إطارها ، وقد اصطلح على تسمية كل مجموعة من تلك المؤسسات وما تؤديه من وظائف اجتماعية حيوية وما يحيط بتفاعل الناس وعلاقاتهم داخلها من معايير وقيم وقوانين وتشريعات وعادات وتقاليد باسم "النظام الاجتماعي" Social Institution ، وفي ضوء هذا نستطيع أن نتحدث عن وجود عدد من "النظم الاجتماعية" الهامة مثل النظام الأسرى ، والنظام التعليمي ، والنظام الاقتصادي ، والنظام السياسي ، ونظام الرعاية الاجتماعية ، وغير ذلك من النظم الاجتماعية. ونحن نستطيع الآن أن نتصور أن "المجتمع" يتمثل في جماعات من الناس يتفاعلون فيما بينهم في إطار نظم اجتماعية تنظم عملية إشباعهم لحاجاتهم الإنسانية ، وبطبيعة الحال فكلما كانت عملية التنظيم الاجتماعي ناجحة كلما كانت النظم الاجتماعية مهيأة بشكل أكثر إحكاما لإشباع حاجات المواطنين ، وكلما كان التفاعل بين الناس أيسر، وكلما كان شعور أفراد المجتمع بالرضا أكبر. 4- التغير الاجتماعي والمشكلات الاجتماعية التغير جزء لا يتجزأ من طبيعة الكون الذي نعيش فيه ، ولهذا يقولون أن التغير هو الحقيقة الوحيدة الثابتة التي "لا تتغير"... والتغير يطرأ على كل أشكال الوجود الجامد والحي ، الطبيعي (الفيزيقي) والإنساني، والمتأمل لتاريخ البشرية يدرك مدى التغير الكبير الذي طرأ على الإنسان وعلى النظم الاجتماعية التي ابتكرها لتيسير حياته. ومن البديهي أن التغير الاجتماعي Social Change يؤدى إلى تغير الظروف والأوضاع التي أقيمت النظم الاجتماعية لإشباع الحاجات في ظلها ... ومن هنا فإن تلك النظم تعجز جزئيا عن القيام بوظائفها ، وهذا هو ما نسميه بعملية التفكك الاجتماعي Social Disorganization ، وإذا كان التغير الاجتماعي عملية مستمرة في كل المجتمعات فإننا نتوقع استمرار عملية التفكك الاجتماعي في كل الأوقات أيضا ، كما يترتب على ذلك أنه كلما ازدادت سرعة التغير الاجتماعي فإننا نتوقع أن تزداد سرعة عملية التفكك الاجتماعي ، ولعل السبب الأساسي في هذا أن عملية التنظيم الاجتماعي تستغرق عادة وقتا طويلا حتى تقوم باستخلاص عبر وخبرات التفاعل الاجتماعي واختبارها مرات وتنظيمها في شكل معايير وقيم وغيرها من منتجات عملية التنظيم الاجتماعي في جانبها غير المادي ، أما الجوانب المادية فتتغير بشكل أيسر وأسرع ، ولعل هذا يوضع لنا مفهوم "الفجوة الثقافية" أو الهوة الثقافية Cultural Lagالذي عزى إليه ويليام أوجبورن التفكك الاجتماعي . وإذا كانت عملية التفكك الاجتماعي تعنى عجز النظم الاجتماعية عن القيام بوظائفها جزئيا فإن النتيجة التي تترتب على ذلك هي وجود قصور في إشباع الحاجات الإنسانية بالنسبة لقطاعات عريضة من السكان ، وهنا نبدأ في الحديث عن وجود "مشكلات اجتماعية" Social Problems ، وهذا مصدر مضاف بطيعة الحال للقصور في إشباع الحاجات الناشئ عن ندرة الموارد اللازمة لإشباعها في كل المجتمعات. غير أن المشكلات الاجتماعية تعنى أكثر من مجرد وجود "حاجات غير مشبعة" لقطاعات عريضة من السكان، فلكي نتكلم عن مشكلة اجتماعية فلابد أن "يتصور" الناس توفر أنواع من التكنولوجيا أو الوسائل الفنية التي يمكن استخدامها في إشباع تلك الحاجات غير المشبعة ، كما لابد أن "يتصوروا" أن تكون التكلفة اللازمة لاستخدام هذه التكنولوجيا في نطاق الممكن ، ذلك أن شعور الناس بالضيق وتحركهم للسعي لإشباع الحاجات غير المشبعة أو المطالبة بإشباعها مرهون بأن يتصوروا – بحق أو بغير حق – أن هناك وسيلة ممكنة لإشباعها ، وأن يتصوروا – أيضا بحق أو بغير حق – أن الموارد اللازمة لاستخدام هذه التكنولوجيا لإشباع الحاجات متوافرة أو يمكن توفيرها... أما إذا تصور الناس أنه ليس هناك من وسيلة لتحقيق الإشباع أو لم يوجد لديهم أمل في إمكان توفير الموارد اللازمة بشكل مقبول فإنهم عادة ينظرون إلى الحاجة غير المشبعة على أنها أمر "طبيعي" لابد من قبوله ويتعودون على احتمال العيش مع وجوده. فسكان قرية يقوم اقتصادها على زراعة الأرز مثلا يأخذون وجود البعوض كأمر دائم مسلم به (صحيح أنهم قد يقومون بمحاولات موضعية داخل منازلهم لتقليل المضايقة الناشئة عن لدغ البعوض ولكنها على أي حال محاولات محدودة للتحكم في الموقف ولكنها لا تتناول الموقف الكلى) إما لأنهم لا يتصورون وجود طريقة للقضاء على البعوض في المساحات الشاسعة المزروعة أرزا أو لأنهم لا يتصورون وجود موارد لديهم أو لدى الحكومة للقضاء على البعوض قضاء تاما. وهنا يتحدث البعض عن الحاجات أو المشكلات التي لا يحس الناس بها وتلك التي يحس بها الناس Felt Needs ، وحقيقة الأمر أنه من الصعب تصور وجود مشكلات أو حاجات لا يحس الناس بها ، فمن الصعب أن نفترض أن الناس يكونون "بحاجة" إلى شيء ولا يحسونه ، ولكن وفقا للتحليل السابق فإنهم قد لا ينظرون إلى الموقف على أنه مشكلة لأنهم يتصورون أنه لا يمكن حله أو أن الحل يتطلب موارد لا قبل لهم بها، كما أنه ينبغي لنا أن ندرك أن الحاجات تتفاوت في أهميتها بالنسبة للفرد ، فلا يمكن أن نتصور أن الجائع الذي لا يجد قوتا يتبقى لديه اهتمام يصرفه على مظهره أو مظهر مسكنه ، ومن هنا فإن بعض ما نسميه نجن حاجات لا يحس بها الناس إنما هو في الحقيقة أمر يتصل بتقييم الناس للموقف ووضع ما نتصور نحن أنهم لا يحسون بأهميته في ذيل قائمة حاجاتهم في حين أننا كمهنيين نتصور ترتيبا للحاجات غير ذلك ، كما أن هناك أخيرا مصدرا لما يطلق عليه البعض حاجات غير محسوس بها يتمثل في الفرق بين رؤية الموقف من زاوية قومية وبين التصرفات الفردية للناس ، فالقرارات المتصلة بالإنجاب مثلا قرارات فردية ولكن تراكمها له بعد مجتمعي ، ومن هنا فإن ما يتصور المهنيون أو موظفو الحكومة أنه مشكلة سكانية لا يشعر بها الناس مثلا هو في حقيقة الأمر – من زاوية الناس أنفسهم – قد لا يمثل مشكلة كبيرة وفقا لحسابات كل منهم على انفراد. 5- عملية إعادة التنظيم الاجتماعي ، والإصلاح الاجتماعي إن ما يعنينا بالنسبة للمناقشة السابقة أن ندرك أن الناس عندما يشعرون بوطأة المشكلات الاجتماعية (حسب تقييمهم للموقف) يتولد لديهم شعور بالضيق والرغبة في عمل شيء لمواجهة هذه المشكلة ، ولولا هذا الشعور بالضيق لما بذلت جهود للإصلاح الاجتماعي Social Reform بالمعنى الواسع ، ولكن الذي يحدث عادة أن الناس يسعون بدرجة من القوة (تختلف شدة وضعفا) لإعادة الأمور إلى نصابها ، أي لإشباع الحاجات غير المشبعة ، وهو ما نسميه بعملية إعادة التنظيم الاجتماعي. وعملية "إعادة التنظيم الاجتماعي" Process of Social Reorganization تتمثل إما في إنشاء مؤسسات أو وضع سياسات أو اتخاذ إجراءات جديدة من خلالها يمكن إشباع الحاجات غير المشبعة ، أو في تعديل المؤسسات والسياسات والإجراءات الحالية لتحقيق نفس الغرض ، مما يؤدى إلى إعادة التنظيم الاجتماعي إلى حالة أقرب ما تكون إلى التوازن ، ومواجهة الاختلال الجزئي التي ارتبطت بمشاعر الضيق أو السخط لدى قطاعات مهمة من المواطنين. ويجب أن ندرك أن النسق الاجتماعي لا يضره وجود درجة من السخط وعدم الرضا لدى بعض الفئات في بعض القطاعات ولفترات محدودة ، فهذا أمر محتوم لا يكاد يخلو منه أي نسق اجتماعي ، ولكن انتشار السخط على نطاق واسع أو بشكل عميق ولفترات طويلة يهدد استقرار بل واستمرار النسق الاجتماعي كوحدة حية متكاملة. ولما كان النظام السياسي Political System هو الجهاز الموكول له اتخاذ القرارات المجتمعية الأساسية ، وهو الذي يملك القوة الجبرية لتنفيذ القرارات نائبا عن المجتمع ككل، كما أنه يوكل إليه اتخاذ القرارات المتصلة بتوزيع الموارد المجتمعية العامة على مختلف القطاعات، فان التنظيمات أو المؤسسات السياسية (التشريعية والتنفيذية) تتولى الدور الأساسي في عملية إعادة التنظيم الاجتماعي . فإنشاء مؤسسات أو سياسات جديدة أو تعديل ما هو قائم منها يقتضى تخصيص موارد لإنشاء ما نسميه بالبرامج Programs اللازمة لمواجهة المشكلة ، وهذا قرار لابد أن يتخذه الجهاز السياسي ، كما أن تحديد المشكلات التي تتطلب الحل أصلا ، واختيار الحلول لتلك المشكلات ، كل هذا يتم من خلال قرارات سياسية ، فكما ذكرنا فإن الجهاز السياسي هو النائب عن الجماهير ويفترض أنه يمثلها ، ومعنى هذا أنه يقوم بتحسس الحاجات "ويضع يديه على نبض الجماهير" كما يقولون ، ثم إن من واجبه أيضا أن يقرر أي هذه الحاجات قابل للإشباع بالوسائل التكنولوجية المتاحة ، ثم هو يفاضل بين تلك الوسائل البديلة للحل ، ويتخذ القرارات لوضع الحلول موضع التنفيذ بتخصيص البنود اللازمة في الميزانية Allocation لهذه الأغراض ، وبإصدار القرارات التي تحدد جهات الاختصاص بتنفيذ البرامج ، وبطبيعة الحال فإنه كلما كانت تلك القرارات مبنية على القيم الدينية المستمدة من وحي السماء القائم على العدل الذي لا يحابي أي فئة اجتماعية على حساب الأخرى ، والصادر عن رب السموات والأرض الذي أحاط بكل شيء علما ، كلما كانت القرارات محققة لما فيه إشباع حاجات المواطنين أفرادا وجماعات في المدى القريب والمدى البعيد بل فيما وراء هذه الحياة الدنيا ، فتتضاءل المشكلات الاجتماعية و المشكلات الفردية إلى أدنى حد ممكن ، بعكس الحال عما إذا بنيت القرارات الخاصة بالسياسات والمؤسسات والبرامج على أساس وضعي من اجتهادات البشر الذين تحكمهم في كثير من الأحيان مصالحهم الذاتية وانحيازاتهم الشخصية ، ففي تلك الحالة فلا بد أن تتفاقم المشكلات الاجتماعية و المشكلات الفردية وتزداد تعقيدا بظهور مضاعفاتها نتيجة لفشل تلك الجهود (والإصلاحات غير المهتدية بنور الله) في تحقيق الأهداف المرجوة ، فيعاني الناس جميعا مغبة اتباع الأهواء في إدارة شؤون مجتمعاتهم في غيبة توجيه السماء ، وهو ما حذرنا منه ربنا بأوضح عبارة في قوله تعالى في سورة الروم الآية 41 "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون". صدق الله العظيم.